أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
411
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قرأ الزمخشري : « فإن قلت : كيف حقيقة هذا الكلام ؟ قلت : أصله لأذقناك عذاب الحياة ، وعذاب الممات ، لأنّ العذاب عذابان : عذاب في الممات ، وهو عذاب القبر ، وعذاب في حياة الآخرة ، وهو عذاب النار . والضعف يوصف به نحو قوله تعالى : فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ يعني عذابا مضاعفا ، فكأن أصل الكلام : لأذقناك عذابا ضعفا في الحياة ، وعذابا ضعفا في الممات . ثم حذف الموصوف ، وأقيمت الصفة مقامه ، وهو الضعف ، ثم أضيفت الصفة إضافة الموصوف ، فقيل : ضعف الحياة ، وضعف الممات ، كما لو قيل : أليم الحياة ، وأليم الممات » . والكلام في « إِذاً » و « لَأَذَقْناكَ » كما تقدم في نظيره . قوله : إِذاً لا يَلْبَثُونَ . . . . العامة برفع الفعل بعد « إِذاً » ثابت النون ، وهو مرسوم في مصاحف العامة ، ورفعه وعدم إعمال « إِذاً » فيه من ثلاثة أوجه : أحدها : أنها توسطت بين المعطوف والمعطوف عليه . قال الزمخشري : « فإن قلت : ما وجه القراءتين ؟ قلت : أما الشائعة ، يعني برفع الفعل ، فقد عطف فيها الفعل على الفعل ، وهو مرفوع لوقوعه خبر ل « كاد » ، وخبر « كاد » واقع موقع الاسم » . قلت : فيكون « لا يَلْبَثُونَ » عطفا على قوله : « لَيَسْتَفِزُّونَكَ » . الثاني : أنها متوسطة بين قسم محذوف وجوابه ، فألغيت لذلك ، والتقدير : واللّه إذا لا يلبثون . الثالث : أنها متوسطة بين مبتدأ محذوف وخبره ، فألغيت لذلك ، والتقدير : وهم إذا لا يلبثون . وقرأ أبي بحذف النون ، فنصبه ب « إِذاً » عند الجمهور ، وبأن مضمرة بعدها عند غيرهم . وفي مصحف عبد اللّه : « لا يلبثوا » بحذفها ووجه النصب أنه لم يجعل الفعل معطوفا على ما تقدم ، ولا جوابا ، ولا خبرا . قال الزمخشري : وأما قراءة أبي : ففيها الجملة برأسها التي هي : « إذا لا يلبثوا » عطف على جملة قوله : « وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ » . وقرأ عطاء : « لا يلبّثون » بضم الياء ، وفتح اللام والباء مشددة ، مبنيا للمفعول من لبّثه بالتشديد ، وقرأها يعقوب كذلك ، إلّا أنه كسر الباء جعله مبنيا للفاعل . قوله : « خِلافَكَ » قرأ الأخوان ، وابن عامر ، وحفص « خِلافَكَ » بكسر الخاء ، وألف بعد اللام ، والباقون بفتح الخاء وسكون اللام ، والقراءتان بمعنى واحد ، وأنشدوا في ذلك : 3121 - عفت الدّيار خلافهم فكأنّما * بسط الشّواطب بينهنّ حصيرا « 1 » وقال تعالى : « بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ » « 2 » . والمعنى : بعد خروجك ، وكثر إضافة « قبل ، وبعد » ونحوها إلى أسماء الأعيان ، على حذف مضاف ، فيقدر في قولك : « جاء زيد قبل عمرو » أي : قبل مجيئه . قوله : « إِلَّا قَلِيلًا » يجوز أن تكون صفة لمصدر ، أو لزمان محذوف ، أي : إلّا لبثا قليلا ، أو زمانا قليلا . قوله : سُنَّةَ . . . فيه ثلاثة أوجه :
--> ( 1 ) البيت لجرير انظر تفسير الطبري ( 15 / 90 ) ، القرطبي ( 10 / 302 ) ، مجاز القرآن ( 1 / 264 ) ، الكشاف ( 2 / ) ، البحر ( 6 / 66 ) ، روح المعاني ( 15 / 130 ) ، التاج واللسان « خلف » . ( 2 ) سورة التوبة آية ، ( 81 ) .